عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
580
اللباب في علوم الكتاب
فوجب كون المسلمين منقطعين عنهم من كل الوجوه ، فلا يكون بينهم ولاية ولا مناصرة . فصل [ في تفسير هذه الآيات ] قال ابن عباس « يرث المشركون بعضهم من بعض » « 1 » وهذا إنما يستقيم إذا حملنا الولاية على الإرث ، بل الحق أن يقال : إنّ كفار قريش كانوا في غاية العداوة لليهود فلمّا ظهرت دعوة محمد - عليه الصّلاة والسّلام - تناصروا وتعاونوا على إيذائه ومحاربته ، فالمراد من الآية ذلك . قوله « إلّا تفعلوه » الهاء تعود إمّا على النّصر ، أو الإرث ، أو الميثاق ، أي : حفظه أو على جميع ما تقدّم ذكره ، وهو معنى قول الزمخشريّ : « إلّا تفعلوا ما أمرتكم به » . وقرأ العامة « كبير » بالباء الموحدة ، وقرأ الكسائيّ فيما « 2 » حكى عنه أبو موسى الحجازي « كثير » بالثّاء المثلثة ، وهذا قريب ممّا في البقرة . والمعنى : قال ابن عبّاس : « إلّا تأخذوا في الميراث بما أمرتكم به » « 3 » . وقال ابن جريج : « إلّا تتعاونوا وتتناصروا » « 4 » . وقال غيرهم : إن لم تفعلوا ما أمرتكم به في هذه التّفاصيل المذكورة تحصل فتنة في الأرض ، قوة الكفر ، وفساد كبير ، وضعف الإسلام . وبيان هذه الفتنة والفساد من وجوه : الأول : أنّ المسلمين لو اختلطوا بالكفار في زمان ضعف المسلمين وقلة عددهم ، وزمان قوة الكفار وكثرة عددهم فربما صارت تلك المخالطة سببا لالتحاق المسلم بالكافر . وثانيها : أن المسلمين إذا تفرقوا لم يظهر لهم جمع عظيم ، فيصير ذلك سببا لجراءة الكفار عليهم . وثالثها : إذا كان جمع المسلمين يزيد كل يوم في العدة والقوة ، صار ذلك سببا لمزيد رغبتهم في الإسلام ورغبة المخالف في الالتحاق بهم . قوله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا زعم بعضهم أنّ هذه الجملة تكرار للتي قبلها ، وليس كذلك ، فإنّ التي قبلها تضمنت ولاية بعضهم لبعض ، وتقسيم المؤمنين إلى ثلاثة أقسام ، وبيان حكمهم في ولايتهم ، وتناصرهم وهذه تضمّنت الثناء والتشريف والاختصاص ، وما آل إليه حالهم من المغفرة والرزق الكريم والمعنى : « أولئك هم المؤمنون حقّا » لا مرية ولا ريب في إيمانهم ، وقيل : حققوا إيمانهم بالهجرة والجهاد وبذل المال في الدين ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ الجنة .
--> ( 1 ) ذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 264 ) . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 240 ، المحرر الوجيز 2 / 557 ، البحر المحيط 4 / 518 ، الدر المصون 3 / 438 . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 297 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 373 ) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم . ( 4 ) ذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 264 ) عن ابن جريج .